الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
24
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
أسراره ، فألفيت ظاهره أعجب من باطنه ، إذ هو عبارة عن صفحات صغار بيضاء التقطت بالفوتوغراف ، وكأنها المرآة صفاء ، تتخللها سطور مقرمطة منمنمة ، وكأنها أرجل الحلزون ، ملصقة تلك الصفحات في صحائف كبار داكنة مقيدة بحلق حديد يضغط عليها بزر ، فترتخي الصفحات وتمكن القارئ من نفسها ، فإذا زاد في الضغط ، مكنته أيضا من الخروج من محبسها بيسر وسهولة . والكتاب يعرف من عنوانه ، فقرأته فإذا هو الجزء الأول من « الإكليل » ويليه الجزء الثاني ، فلشدّ ما كانت دهشتي لهذه المفاجأة اللذيذة ، التي أعادت لي ذكريات الطفولة بتلك السرعة الفائقة ، كما أعادت لي الذكريات ما قرأته مؤخرا في خطط المقريزي وتاريخ مكة للفاسي ، وكلاهما من أعيان القرن التاسع الهجري ، اللذان ينقلان عن الجزء الأول من « الإكليل » وعلى ما تصفحته في مطالع البدور للقاضي أحمد بن صالح أو الرجال ، وهو من أعيان القرن الحادي عشر الهجري ، الذي ينقل أيضا عن الجزء الأول والثاني ، أنهما لا يزالان بخير وفي قيد الحياة ، وأن اللّه سائقهما إليّ في يوم من الأيام وها قد حقّق اللّه التنبؤ الذي صار حقيقة ملموسة وإيمانا صادقا ، وكأنما كشف الغطاء « أن في أمتي محدثين » وللّه الحمد . كما لا تزال أحلامي تداعبني بالالتقاء القريب مع الأجزاء الأخر ، التي لا تزال في ضمائر الغيب ، وما ذلك على اللّه بعزيز . سمح لي الأخ الوزير باحتضان هذا السفر وتبنّيه ، لأستحصل منه على نسخة ، كما دفعني بتوجيهاته الوجيهة وحسن ظنه الجميل وتقديره ، على تحقيق الكتابين المذكورين ، وخوّل لي الملكة في مكتبته العامرة بأنفس الكتب ، أنتقي منها ما أهوى وأختار ، مما يلائم موضوع الكتابين ، فتقبلت هذه المكرمة الخالدة بكل احترام وإكبار ، الأمر الذي عجزت عن تسجيل آيات الثناء والشكر وتقديم فروض الحمد والمدح ، جعله اللّه في عليين ، الذين أنعم عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء ، وحسن أولئك رفيقا . هذه قصتي وذا شرح حالي مع أجزاء الإكليل الآنفة الذكر ، وبهذا انتهى المطاف ولن أقول : وأدرك شهرزاد الصباح فأمسكت عن الكلام المباح .